ابن الجوزي

49

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

سمع رجلا عند الملتزم وهو يقول : اللَّهمّ إني أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض ، وما يحول بين الحق وأهله من الظلم والطمع . فأسرع المنصور في مشيه حتى ملأ مسامعه من قوله ، ثم خرج فجلس ناحية من المسجد ، ثم أرسل إليه فدعاه ، فصلى ركعتين ، واستلم الركن ، وأقبل مع الرسول ، فسلَّم عليه ، فقال له المنصور : ما هذا الَّذي سمعتك تقوله من ظهور البغي والفساد في الأرض وما يحول بين الحق وأهله من الظلم والطمع ؟ فوالله لقد حشوت مسامعي ما أمرضني فأقلقني ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إن أمنتني على نفسي أنبأتك بالأمور من أصلها ، وإلا احتجبت منك وأقتصر على نفسي ، ففيها لي شغل شاغل . فقال : أنت آمن على نفسك . فقال : يا أمير المؤمنين ، إن الَّذي دخله الطمع حتى حال بينه وبين الحق وإصلاح ما ظهر من البغي والفساد في الأرض لأنت . قال : ويحك ، كيف يدخلني الطمع والصفراء والبيضاء بيدي ، والحلو والحامض في قبضتي . قال : وهل دخل أحد من الطمع ما دخلك يا أمير المؤمنين ؟ إن الله عز وجل استرعاك أمور المسلمين بأموالهم ، فأغفلت أمورهم ، واهتممت بجمع أموالهم ، وجعلت بينك وبينهم حجابا من الآجر والجص ، وأبوابا من الحديد ، وحجبة معهم السلاح ، واتخذت وزراء وأعوانا فجرة ، إن نسيت لم يذكروك ، وإن أحسنت لم يعينوك ، وقويتهم على ظلم الناس بالرجال والأموال والسلاح / ، وأمرت 23 / أأن لا يدخل عليك من الناس إلا فلان وفلان ، ولم تأمر بإيصال المظلوم والملهوف والجائع والعاري ، وما أحد إلا وله في المال حق ، فلما رآك هؤلاء النفر الذين استخلصتهم لنفسك وآثرتهم على رعيتك ، وأمرت أن لا يحجبوا عنك ، تجبي المال ولا تقسمه ، قالوا : هذا قد خان الله ، فما لنا لا نخونه ، وقد سخّر لنا ، وائتمروا على أن لا يصل إليك من علم أخبار الناس إلا ما أرادوا ، ولا يخرج لك عامل فيخالف أمرهم إلا أقصوه [ 1 ] عنك حتى تسقط منزلته عندك ، فلما انتشر ذلك عنك وعنهم أعظمهم الناس وهابوهم ، وكان أوّل من صانعهم عمالك بالهدايا والأموال ليتقوّوا بها على ظلم رعيتك ، [ ثم فعل ذلك الثروة والقوة من رعيتك ] [ 2 ] لينالوا ظلم من دونهم من الرعيّة ، وامتلأت بلاد الله بالطمع بغيا وفسادا ، وصار هؤلاء القوم شركاءك في سلطانك ، وأنت غافل ، وإن جاء متظلم حيل بينه وبين الدخول إلى مدينتك ، وإن أراد رفع قصة إليك عند ظهورك ،

--> [ 1 ] في الأصل : « إلا قضوه » وما أثبتناه من ت . [ 2 ] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل وما أثبتناه من ت .